لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد
إن النفس الزائفة أو المصطنعة هي في الحقيقة نفس لاهِثةٌ، تَلْهَثُ منذ بداياتها الأولى لإرضاء الوالدين، ذاكر لكي أحبك، في قائمة طويلة لإثبات الحبّ المشروط بشرط، والمقيد بقيد، والرسالة للطفل، لن أحبك إلا إذا ذاكرت.
لن أحبك لأنك لست محبوبًا لنفسك، ولا لأنك ولدي، ولا لمحبتي الفطرية لك، بل سأحبك بشروط، فيفقد الطفل الأمان، ويبقى يتلمس الطرق والوسائل للحصول على مكانة في قلب هذين الشخصين اللذين لا يعرف غيرهما كمصدر للحب والحنان والأمان.يريد اللعب وحده بالمكعبات (مثلًا) فتقول الأم : العب مع أختك أو مع أخيك حتى أحبك...... فيزوّر مشاعره ويغيّر سلوكه، ليس لأنه يريد، بل لأنه لا يريد أن يفقد المحبة المشروطة والأمن المكتسب. ويبدأ الطفل في رحلة طويلة ومؤلمة من اللَّهْث والرَّكْض خلف هذا الحب المشروط المعلَّق بالقيود، فتتعقد حياته في مراهقته ودراسته وعمله وزواجه وطلاقه وكل معاملاته.ولك أن تتخيل مجتمعًا يعاني غالب أفراده من تزوير شخصياتهم، وإضعاف ذواتهم، وما ذلك إلا بهذا الإرهاب النفسيّ الذي يُمارَس على الناس من كافة الوسائل كالتعليم والإعلام والقرارات الرسمية ولا أنسى البيت الذي تُبذر بذرة الهشاشة النفسية فيه، وتنمو في أَرْوِقته.إن السبب الأكبر لمحاولة تزوير الشخصية وتشبُّع الإنسان بما لم يُعْطَ -بعد حرمان التوفيق من الله- هو الضعف النفسيّ الشديد، والهزال والهشاشة النفسية، وهي كلها مصطلحات تفيد سوء وسلبية نظرة الإنسان لنفسه.
لم نَزَلْ حولها نُدَنْدِن، تلك النظرة النفسية الخاصة لكل مخلوق لنفسه وأحوالها، فمَن نظر إليها على أنها عدو، كرهها وأبغضها وعاداها، ثم هلك بها وهلكت به، فيُزَوِّرها ويَطَمْسها ويحتقرها، وتُصاب تبعًا لهذا باضطرابات كثيرة، وهي المعروفة باضطرابات الشخصية، ومنها اضطرابات الشخصية الحدّية.ومن نَظَر إليها على أنها مصبوغة بصبغة التوحيد، ومعلقة برب العبيد، وأنها تستمد قوتها من الله تعالى، لأنها مخلوقة من الله، ومشمولة برعاية الله، وأنها يأتي منها الخير أصلًا، ويأتي منها الخطأ فرعًا، فتُعامَل بالإقبال حال خيرها، وبالإدبار حال خطئها، فلا يحتاج صاحبها أن يزوّرها أو أن يتشبع بما لم يُعط لها، ولا أن يتكلف ويتصنع، فيصبح الإنسان متصالِحًا مع نفسه، متناغِمًا معها، لا متَصنِّعًا ولا متكلِّفًا.فيرى الخير في نفسه فينميه، ويرى الخطأ فيستره ويصححه ويعدله، يسعى لنيل كل خير في الدنيا والدين، ويجتهد لتقديم النفع والخير لنفسه وأسرته ومجتمعه ودينه وأمته، ويبقى في المجاهدة والمراغمة حتى يلقى الله تعالى وهو مجاهد في سبيل صلاح حاله ونجاة نفسه من النار. هذا خطاب وعي، ورسالة فهم ينبغي لهما أن يتصدَّرا الكلام في نصح الناس وإرشادهم وتوجيههم، وليس غيرهما، والله الموفق لا رب سواه.